المسلم السالك إلى الله عز وجل لابد له من وقت يخلو فيه مع ربه يدعوه ويناجيه ويتذلل له ويخضع له ولا يكون ذلك جهراً بل سراً وهى ما تسمى بعبادة السر وهذه هي الخلوة مع الله وتعنى: الانقطاع عن البشر لفترة محدودة وترك للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع ، والقصد البعيد من الخلوة تطهير القلب من أدناس الملابسة

وقد قال تعالى:﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً )( سورة المزمل )

و التبتل: الانقطاع لله عز وجل، أيْ: انقطع عن الناس وأسرتك وعملك وهموم المعاش، واخلُ مع ربك واذكر اسمه: الله الله، إما أن تذكر اسمه المفرد، وإما أن تذكر الأذكار التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، قال بعض المفسرين: واذكر اسم ربك أي دُمْ على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أيّ وجه كان: من التسبيح والتهليل والتحميد إلى أن قال بعضهم: وتبتل وانقطع إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في مراقبته.

وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يخلو بغار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله حتى جاء الحق وهو في غار حراء فالنبي كان يتعبد الله عز وجل الليالي ذوات العدد ، عن أبي جمرة في شرحه على مختصر البخاري يقول: في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما اعتزل عن الناس وخلا بنفسه آتاه الله هذا الخير العظيم، الدليل قوله تعالى:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً

المقامات العالية عند الله ثمنها الخلوات، لذلك أحد العارفين الكبار رآه أحد تلاميذه في المنام قال له: يا سيدي ماذا فعل الله بك ؟ قال: يا بني راحت تلك العبارات وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل،

فوائد الخلوة: إن للخلوة فوائد جليلة وآثاراً مهمة وإنما يدركها من ذاق حلاوتها وجنى ثمارها فمن فوائدها : تهذيب النفس، وتزكيتها، ورياضتها على طاعة الله تعالى، والاستئناس بمجالسته، لأن من طبائع النفس الأمارة حب مجالسة الناس والميل إلى اللهو والعبث وكراهية الخلوة مع الله والنفور من الانفراد للمحاسبة على الهفوات واللوم على الأخطاء فإذا جاهدناها على ذلك فإنها تشعر بالضيق والضجر في بادئ أمرها ولكن سرعان ما تذعن وتخضع ثم تذوق حلاوة الأنس بالله ولذة مناجاته.

وخصوصاً عندما تنطلق وتتحرر من قيود المادة وتسبح في عالم الملكوت اذ الخلوة تروض النفس على الإذعان لبارئها والأنس بربها.

وقد قال مولانا:( حبيب الكل) عن الخلوة إن من بركات الخلوة أنها تهذب النفس وتنقى الروح وتجعلك معتدل المزاج لأنك توقن أن الدنيا لا تساوى شيء فالمختلى يشعر أنه ميت في قبره فتهون عليه الدنيا.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

«من أحب أن يفتح الله قلبه ويرزقه العلم فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب »

وقال ابن عجيبة:شارحاً قول ابن عطاء الله رحمهما الله تعالى: ما نفعَ القلبَ شيءٌ مثلُ عُزلةٍ يدخل بها مَيْدانَ فكرة:

(والعزلة انفراد القلب بالله. وقد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القالب عن الناس، وهو المراد هنا، إذ لا ينفرد القلب بالله إلا إذا انفرد القالب. والفكرة سير القلب إلى حضرة الرب، وهي على قسمين: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. ولا شيء أنفع للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة، لأن العزلة كالحِمْية، والفكرة كالدواء، فلا ينفع الدواء بغير حمية، ولا فائدة في الحمية من غير دواء، فلا خير في عزلة لا فكرة فيها ولا نهوض بفكرة لا عزلة معها، إذ المقصود من العزلة هو تفريغ القلب، والمقصود من التفرغ هو جَولاَن القلب واشتغال الفكرة، والمقصود من اشتغال الفكرة تحصيل العلم وتمكنه من القلب، وتمكن العلم بالله من القلب هو دواؤه وغاية صحته، وهو الذي سماه الله القلب السليم، قال الله تعالى في شأن القيامة: {يومَ لا ينفَعُ مالٌ ولا يَنونَ إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88 -89].

ثم ذكر للخلوة عشر فوائد:

1 - السلامة من آفات اللسان، فإنَّ مَنْ كان وحده لا يجد معه من يتكلم، ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثرَ الخلوة على الاجتماع.

2 - السلامة من آفات النظر،فإنَّ من كان معتزلاً عن الناس سلم من النظر إلى ما هم مُنْكَبُّون عليه من زهرة الدنيا وزخرفها، قال بعضهم: (من كثرت لحظاته دامت حسراته).

3 - حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض.

4 - حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها، وفي ذلك شرف العبد وكماله.

5 - السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال، وفي مخالطتهم فساد عظيم.

6 - التفرغ للعبادة والذكر، والعزم على التقوى والبر.

7 - وُجْدانُ حلاوة الطاعات، وتمكن لذيذ المناجاة بفراغ سره، قال أبو طالب المكي في “القوت”: (ولا يكون المريد صادقاً حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية).

8 - راحة القلب والبدن، فإن في مخالطة الناس ما يوجب تعب القلب.

9 - صيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة.

10 - التمكن من عبادة التفكر والاعتبار، وهو المقصود الأعظم من الخلوة) [“إيقاظ الهمم في شرح الحكم” لأحمد بن عجيبة ج1/ص30].

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا          سر أرق من النسيم إذا سرى

فدهشت بين جماله وجلاله           وغدا لسان الحال عني مخبرا

وقال:

ولي الله ليس له أنيس      سوى الرحمن فهو له جليس

يُذَكِّرهُ فيـذكره فيبكي       وحيد الـدهر جوهره نفيس

وقيل أيضاً:

على نفسه فليبك من باع عمر     وليس له فيها نصيب ولا سهم

                                                                              كتبه 

                                                                 الشيخ مصطفى عفيفى 






أرسل تعليقك